عمان – المنصة
عشرة قتلى بمدافئ “الشموسة” العام الماضي… فمن فحصها قبل أن تصل إلى البيوت؟
أعلنت مؤسسة المواصفات والمقاييس عن حملة رقابية مبكرة على وسائل التدفئة قبل دخول فصل الشتاء، شملت فحص 114 عينة وضبط نحو 53 ألف مدفأة وأداة تدفئة مخالفة، وإصدار 102 قرار إتلاف.
الأرقام تبدو مطمئنة، وتعكس جهداً رقابياً حقيقياً. لكنها تُروى هذا العام من دون أن يُذكر صراحة السياق الذي تأتي فيه: قبل أقل من عام، توفي عشرة أشخاص اختناقاً بسبب خلل في احتراق مدافئ غاز محلية الصنع عُرفت باسم “الشموسة”، كانت متداولة في الأسواق الأردنية لسنوات قبل أن تُكتشف المشكلة – بعد سقوط الضحايا، لا قبله.

العام الماضي: نفس المؤسسة، نفس الموسم، نتيجة مختلفة تماماً
في كانون الأول 2025، وبعد وفاة عشرة مواطنين بسبب اختناق ناجم عن خلل في احتراق مدافئ “الشموسة”، اتخذت الحكومة إجراءات استثنائية: منع ثلاثة مصانع محلية من بيع منتجاتها، التحفظ على أكثر من 5 آلاف مدفأة، إحالة تقارير الفحوصات الفنية إلى القضاء، بل وإحالة مديرة مؤسسة المواصفات والمقاييس نفسها إلى التقاعد على خلفية الحادثة.
والمفارقة أن تلك المدافئ، بحسب بيان المؤسسة وقتها، لم تكن منتجاً جديداً دخل السوق خلسة، بل كانت “مطروحة منذ سنوات في السوق المحلي… ويتم إنتاجها محلياً”، أي أنها مرّت – ولو شكلياً – عبر دورة إنتاج ورقابة محلية لسنوات قبل أن تتسبب بوفيات.
أسئلة لم تُجب عنها الحملة الحالية
إذا كانت مدافئ “الشموسة” مُنتَجة محلياً ومرخصة أصولياً، فما الذي فشل بالضبط في منظومة الفحص والاعتماد التي كان يُفترض أن تمنع وصولها إلى الأسواق أصلاً؟
هل خضعت تلك المدافئ لفحص مخبري في الجمعية العلمية الملكية قبل طرحها أول مرة، أم أن الفحص جاء فقط بعد تكرار حوادث الاختناق؟
هل لا تزال إدارة المؤسسة “بالوكالة” حتى اليوم لأن الجهات المعنية لم تحسم بعد في نتائج التحقيق والمساءلة المُحالة للقضاء؟
السؤال الأهم: ما معايير اعتماد المدفأة “قابلة للاستخدام”؟
يسرد بيان المؤسسة تفاصيل كثيرة عن أعداد الضبط والفحص، لكنه لا يوضح بدقة الحد الفاصل الذي يجعل مدفأة بعينها “معتمدة وآمنة” في مقابل أخرى “مخالفة وخطرة”.
فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن الفحص يشمل بطاقة البيان، ومطابقة المنظم والخرطوم، ووجود حساس أول أكسيد الكربون وحساس الانطفاء عند الانقلاب – وهي معايير تقنية منطقية، لكنها تُطرح في بيان المؤسسة بصياغة موجهة للمستهلك كي “يتحقق بنفسه” منها عند الشراء، لا كضمانة بأن كل وحدة معروضة في السوق خضعت فعلياً لاختبار هذه البنود قبل وصولها إلى الرف.
أسئلة عن جوهر عملية الاعتماد الفني
هل تُفحص كل دفعة إنتاج من كل مصنع مرخص قبل طرحها، أم يقتصر الفحص على عينات عشوائية محدودة كما حدث هذا العام (114 عينة فقط)؟
ما الفرق العملي بين “شهادة فحص من مختبر خارجي معتمد” التي يكتفي النظام بقبولها من المستورد، وفحص مستقل تجريه الجهة الرقابية الأردنية نفسها على كل صنف قبل دخوله السوق؟
لماذا يُطلب من المواطن نفسه أن يتحقق من وجود حساس أول أكسيد الكربون أو حساس الانطفاء عند الشراء، بدل أن يكون هذا شرطاً إلزامياً تتحقق منه الجهة الرقابية قبل السماح بطرح أي مدفأة في السوق أصلاً؟
هل تغيّرت آلية الاعتماد الفني لمدافئ الغاز المحلية الصنع تحديداً – فئة “الشموسة” – بعد فضيحة العام الماضي، أم أن التغيير اقتصر على تكثيف حجم الحملات دون تعديل جوهري في معايير الفحص نفسها؟
رقابة تُشدَّد بعد الحادثة، لا قبلها
النمط الذي تكشفه مقارنة الموسمين لافت: ضبط أعداد كبيرة من المدافئ المخالفة (53 ألفاً هذا العام) يبدو إنجازاً رقمياً، لكنه يثير سؤالاً أعمق حول توقيت الاكتشاف – هل تُضبط هذه المخالفات قبل وصولها لأي منزل، أم أن جزءاً منها كان متداولاً بالفعل في مواسم سابقة قبل أن تلحقه الحملات اللاحقة؟ فمدافئ “الشموسة” نفسها لم تُكتشف مخاطرها عبر فحص استباقي روتيني، بل عبر التحقيق في وفيات فعلية بعد وقوعها.
السؤال الذي يطرحه عنوان هذا التقرير
هل يمكن الوثوق بأن حملة هذا العام ستكتشف أي “شموسة” جديدة قبل أن تتسبب بضحايا، أم أن المنظومة لا تزال تعمل بردة فعل بعد الحادثة أكثر مما تعمل بالوقاية قبلها؟
لماذا لا تُنشر قائمة علنية ومحدّثة بأسماء وماركات المدافئ المعتمدة رسمياً والمخالفة، بدل الاكتفاء بأرقام إجمالية للضبط والإتلاف؟
ومتى سيُعرف المواطن بثقة، قبل الشراء لا بعد حادثة اختناق أخرى، أن المدفأة التي أمامه فعلاً قد اجتازت فحصاً فعلياً لا ورقياً؟
خلاصة
الرقابة المعلنة هذا العام أوسع حجماً من حيث الأرقام، وهذا إيجابي في ذاته.
لكن حجم الضبط وحده لا يجيب عن السؤال الذي يهم المواطن أكثر من أي رقم: ما الذي تغيّر فعلياً في آلية اعتماد المدفأة “الآمنة للاستخدام” منذ أن قتلت مدافئ محلية الصنع، ومرخصة أصولياً، عشرة أشخاص في شتاء واحد؟ فإلى أن تُنشر إجابة واضحة ومفصلة عن معايير الفحص الفني الفعلية – لا الاستشارية – سيبقى الحكم على سلامة أي مدفأة، كما كان قبل عام، متروكاً جزئياً لحظ المستهلك وقدرته على فحص المنتج بنفسه.








