الدين العام يبلغ 110.8% من الناتج المحلي حتى نهاية تموز 2026، ونحو ربعه مستحق لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي… فما الذي تخفيه النسب؟
عمان – المنصة
دين يفوق حجم الاقتصاد: 50 مليار دينار على كاهل الأردن… والضمان الاجتماعي بين الدائنين
بلغ إجمالي الدين العام للأردن 50.121 مليار دينار حتى نهاية تموز 2026، وفق بيانات وزارة المالية، أي ما نسبته 110.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعني أن ما تدين به المملكة يتجاوز قيمة ما ينتجه اقتصادها خلال عام كامل.
وأظهرت البيانات أن الدين المترتب على الحكومة لصالح صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي بلغ 11.982 مليار دينار، أي نحو 24% من الإجمالي.
غير أن الرقم، على ضخامته، لا يروي القصة كاملة. فخلف العنوان الرسمي تفاصيل تستحق التوقف عندها: رصيد يرتفع بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد، ونسبة تتراجع دون تفسير معلن، ومدخرات المؤمَّن عليهم التي تتحول إلى أحد أكبر مصادر تمويل الحكومة.

ما وراء الرقم: دين يرتفع ونسبة تنخفض
بالعودة إلى بيانات الوزارة للفترة ذاتها من العام الماضي، كان الدين قد بلغ 46.272 مليار دينار بنهاية تموز 2025، أي 118.5% من الناتج. وعليه فقد ارتفع الرصيد بنحو 3.85 مليار دينار خلال اثني عشر شهراً، بزيادة تقارب 8.3%، في حين تراجعت النسبة إلى الناتج بنحو 7.7 نقطة مئوية.
وحين يرتفع الرصيد بهذا المقدار وتنخفض النسبة بهذا الحجم، فإن المعادلة الحسابية تفرض النظر في المقام، أي الناتج المحلي، وما طرأ عليه من نمو أو تعديل في منهجية القياس. وهذه تفاصيل لا تجيب عنها البيانات المنشورة.
أسئلة تنتظر إجابة رسمية
كيف يخفّ عبء الدين “نسبياً” بينما يقفز رصيده الفعلي بنحو 3.85 مليار دينار في عام واحد، وهو المبلغ الذي يجب سداده في نهاية المطاف؟
ما الذي تغيّر في مقام النسبة، أي الناتج المحلي، ليبرر تراجعها 7.7 نقطة مئوية، ولماذا لا تُرفق هذه التفاصيل مع كل إعلان شهري؟
أي قيمة لمؤشر يتحسن على الورق فيما تتضخم الالتزامات التي ستتحملها الأجيال المقبلة؟
الضمان الاجتماعي… دائنٌ بحجم ربع الدين
الرقم الأكثر حساسية في البيانات هو الثالث. فما اقترضته الحكومة من صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، وهي مدخرات المؤمَّن عليهم وأصحاب المعاشات، بلغ 11.982 مليار دينار، مقارنة بنحو 10.654 مليار دينار بنهاية حزيران 2025، أي بزيادة تقارب 1.33 مليار دينار. وهكذا بات نحو 24% من الدين العام مستحقاً لمؤسسة تدير أموال المشتركين لا أموال الخزينة.
وتعتمد الحكومة في أهدافها المعلنة على مؤشر الدين باستثناء ما يحمله الضمان، إذ تتعهد بخفضه إلى نحو 80% من الناتج بحلول عام 2028. وبطرح دين الضمان من الإجمالي يتبقى نحو 38.14 مليار دينار، وهو ما يعادل، بحسبة تقريبية تستند إلى نسبة 110.8%، قرابة 84% من الناتج. أي أن المؤشر الأصغر هو الذي يتصدر الخطاب الرسمي، فيما يبقى الرقم الأكبر في الخلفية.
أسئلة تخص أموال المؤمَّن عليهم
أليس من حق المشتركين أن يعرفوا كيف ومتى ستُسدَّد 11.982 مليار دينار من أموالهم المستثمَرة في أدوات دين تصدرها الحكومة نفسها؟
ما الضمانات التي تمنع أن يتحول استثمار أموال الضمان في السندات الحكومية إلى بديل دائم عن ضبط العجز الحكومي؟
هل هناك سقف معلن لحصة الضمان من الدين لا يجوز تجاوزه، أم أن الحصة تتسع بحسب حاجة الخزينة كل عام؟
الفوائد أولاً: كلفة الدين مقابل كلفة التنمية
تقدّر دراسة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني أن فوائد الدين العام ستبلغ نحو 2.33 مليار دينار في عام 2026، في حين رصد مشروع قانون الموازنة 1.6 مليار دينار للنفقات الرأسمالية، وهي المخصصات التي يُفترض أن تموّل مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي والناقل الوطني للمياه والتنقيب عن الغاز.
وإذا صحّت المقارنة، فإن ما يُدفع لخدمة الدين يفوق ما يُنفق على بناء المستقبل.
أسئلة عن الأولويات
كيف تُبنى رؤية التحديث الاقتصادي على مخصصات رأسمالية أقل من كلفة خدمة الدين؟
أين يقف السقف القانوني الذي نص عليه قانون الدين العام وإدارته (60% من الناتج)، وما جدوى نص قانوني يتجاوزه الواقع بفارق يقارب الضعف؟
إلى متى سيُعرض الدين “بعد الاستثناءات”: باستثناء الضمان، باستثناء الودائع، حتى يصير الرقم الأصغر هو العنوان الرسمي؟
خلاصة
لا يخلو المشهد من مؤشرات تلتمسها الحكومة لتأكيد الاستقرار المالي، غير أن الأرقام الخام تقول ما لا تقوله النسب. فبحسبة تقريبية تستند إلى تقديرات الأمم المتحدة لعدد السكان (نحو 11.6 مليون نسمة)، يقابل كل فرد في المملكة دين يقارب 4,300 دينار، فيما يستحق ربع هذا الدين لصندوق يحفظ مدخرات العاملين لتقاعدهم. وبين خطاب يطمئن وأرقام تقلق، يبقى السؤال الذي لا تكفي النسب المئوية للإجابة عنه: من يسدد، ومتى، وعلى حساب ماذا؟








