المنصة – فتحت تصريحات رئيس لجنة أمانة عمّان، يوسف الشواربة، حول الازدحامات المرورية بابا واسعا للنقاش في الأردن، ليس فقط بسبب مضمونها، بل لأنها لامست واحدة من أكثر القضايا اليومية إلحاحا لدى سكان العاصمة.
حين قال الشواربة إن “لا توجد مدينة في العالم خالية من الازدحامات”، وإن الأزمة “ضريبة العيش في المدينة”، بدا وكأنه يضع مشكلة السير في إطار عالمي طبيعي تعاني منه المدن الكبرى. لكن التفاعل الشعبي أظهر أن المشكلة بالنسبة لكثير من الأردنيين لا تتعلق بوجود الازدحام بحد ذاته، بل بغياب البدائل والحلول المقنعة.
النقل العام في قلب الانتقادات
اللافت في ردود الفعل أن جزءا كبيرا من الانتقادات لم يرفض فكرة أن الازدحام ظاهرة عالمية، بل ركّز على المقارنة غير المكتملة بين عمّان والعواصم الكبرى. فمدن العالم التي تعاني من الاختناقات المرورية تمتلك غالبا شبكات نقل عام متقدمة، تشمل المترو والقطارات السريعة والحافلات المنظمة، ما يمنح المواطن خيارات متعددة للتنقل، بينما ما تزال خيارات النقل في عمّان محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على المركبات الخاصة.
تصريحات الشواربة نفسها حملت اعترافا ضمنيا بهذه الفجوة، عندما أشار إلى عدم وجود قطارات كوسيلة نقل، والاكتفاء بالباصات والسرفيس. وهذا الاعتراف أعاد إلى الواجهة نقاشا قديما حول تعثر مشاريع النقل الكبرى، ومدى قدرة البنية الحالية على استيعاب التوسع السكاني والعمراني المتسارع في العاصمة.
بين التخطيط الغائب ومطالب الحلول الواقعية
ومن زاوية أخرى، بدا أن الشواربة يحاول نقل النقاش من الحلول الآنية إلى فلسفة التخطيط الحضري، عبر حديثه عن أن “غياب التخطيط” كان سببا في أزمة المواقف والازدحامات. وهنا تبرز معضلة عمّان التاريخية؛ فالمدينة توسعت خلال عقود بوتيرة أسرع من قدرة البنية التحتية على مواكبتها، ما خلق أحياء مكتظة وشوارع غير قادرة على استيعاب الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات.
لكن الجدل الشعبي أظهر أيضا أن المواطنين باتوا أقل تقبلا للخطاب التبريري، وأكثر ميلا للمطالبة بإجراءات ملموسة. فبالنسبة للكثيرين، لا يكفي توصيف الأزمة باعتبارها “ضريبة المدينة”، بل المطلوب سياسات تخفف هذه الضريبة، سواء عبر تحسين النقل العام، أو تنظيم مواعيد الدوام، أو تطوير حلول ذكية لإدارة المرور.
المدينة الذكية تحت اختبار الازدحام اليومي
وفي المقابل، وجد البعض في تصريحات الشواربة قدرا من الواقعية، معتبرين أن القضاء الكامل على الازدحام أمر غير ممكن في أي عاصمة مكتظة، وأن المطلوب هو إدارة الأزمة لا الوعد بإنهائها نهائيا.
أما حديثه عن تحويل عمّان إلى “مدينة ذكية”، فقد فتح بدوره باب التساؤلات حول معنى التحول الذكي في مدينة تعاني من أزمات مرورية يومية. فالمواطن، بحسب تعليقات واسعة على مواقع التواصل، يقيس “ذكاء المدينة” بقدرته على الوصول إلى عمله بزمن معقول، والحصول على خدمات نقل مريحة وآمنة، أكثر من التطبيقات والخدمات الرقمية وحدها.
في المحصلة، كشفت ردود الفعل على تصريحات الشواربة أن أزمة الازدحام في عمّان لم تعد مجرد قضية مرورية، بل تحولت إلى ملف مرتبط بجودة الحياة، والتخطيط الحضري، والثقة بقدرة المؤسسات على إيجاد حلول طويلة الأمد. وبين من يراها ظاهرة طبيعية في المدن الكبرى، ومن يعتبرها نتيجة تراكمات تخطيطية وضعف بدائل النقل، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع عمّان التكيف مع نموها المتسارع دون أن تصبح الازدحامات جزءا دائما من يوميات سكانها؟







