عمّان – المنصة
فجوة الأسعار في سلسلة توريد البندورة الأردنية من سوق المركزي إلى رف المستهلك: تحليل معمق لعوامل تضخيم الأسعار
في كل صباح، يُفرغ المزارع الأردني شاحنته المحملة بالبندورة أمام بوابات سوق الخضار المركزي في عمّان، ليتقاضى عن كل كيلوغرام ما لا يتجاوز العشرين قرشاً.
وعلى بُعد كيلومترات، يتوقف المستهلك أمام الرفّ المضاء في إحدى سلاسل السوبرماركت، ليدفع ثمن الكيلوغرام ذاته ما بين 1.10 و1.20 دينار. فارق يبلغ ستة أضعاف — لا يرى المزارع منه فلساً واحداً.
هذا ليس استثناءً طارئاً، بل هو نمط متجذّر تكشفه أرقام تقرير تحليلي ، لرصد الفجوة السعرية في سلسلة توريد البندورة الأردنية من المزرعة حتى المستهلك النهائي.
وتُظهر البيانات أن سعر البندورة عند بوابة المزرعة يتراوح بين 15 و18 قرشاً للكيلوغرام، ليقفز في السوق المركزي إلى 20 قرشاً، ثم يتضاعف على يد تجار الجملة الوسطاء إلى ما بين 45 و60 قرشاً، قبل أن يستقر على رفوف التجزئة عند مستويات تتخطى الدينار.

خمس حلقات تأكل قيمة الحقل
يُشير التقرير إلى أن المنتج يمر في طريقه إلى المستهلك عبر ثلاث إلى خمس حلقات وسيطة، تبدأ بوكيل الجمع، وتمر بتاجر الجملة الأول فالثاني، وتنتهي ببائع التجزئة.
كل حلقة تُضيف هامشاً يتراوح بين 20% و40%، ما يُراكم فجوة سعرية تجعل الأردن الأعلى عالمياً في معامل تضخيم أسعار البندورة، إذ يبلغ ستة أضعاف مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 2.5 و3.5 أضعاف.
وتُقدَّر حصة التكاليف اللوجستية من السعر النهائي بنحو 25% إلى 30%، وهي نسبة تفوق ضعف المعدل الدولي البالغ 12%-18%، وتعكس ضعف البنية التحتية لقطاع التبريد والنقل الزراعي في المملكة.
الأردن الأعلى إقليمياً في فجوة التسعير
تضع المقارنة الإقليمية الأردن في مرتبة متقدمة من حيث الفجوة السعرية بين الجملة والتجزئة؛ ففي مصر يبلغ معامل التضخيم 3.3 أضعاف، وفي تركيا 2.7 أضعاف، وفي إسبانيا 3 أضعاف.
أما الأردن، فيسجل معاملاً يبلغ ستة أضعاف، يُجسّد خللاً هيكلياً يطال تنافسية الصادرات الزراعية الأردنية قبل أن يطال جيب المستهلك.

تداعيات اجتماعية على الأسر الأكثر هشاشة
تقع الأسرة الأردنية متوسطة وضعيفة الدخل في قلب هذه الأزمة، إذ يُشكّل الإنفاق الغذائي ما بين 35% و40% من دخلها.
وبينما يُقتطع من المزارع هامش مُجحف يُثبّط الاستثمار الزراعي، يدفع المستهلك فاتورة منتفخة تُرهق ميزانيته اليومية.
يُحذّر التقرير من أن استمرار هذا النمط يُهدد الأمن الغذائي على المدى البعيد، إن ظلّت حلقات الوساطة تستنزف هامش المزارع دون رادع.
التوصيات
أ. على المستوى الحكومي
● إطلاق برنامج وطني لإنشاء مراكز تجميع ريفية مزودة بغرف تبريد قرب مناطق الإنتاج الرئيسية.
● تفعيل آلية نشر يومي لأسعار الجملة والتجزئة عبر منصة رقمية مفتوحة يطلع عليها المستهلك والمنتج.
● مراجعة هيكل الرسوم والضرائب المفروضة على سلاسل التبريد والنقل الزراعي لتخفيض التكاليف اللوجستية.
● دعم إنشاء تعاونيات مزارعين قادرة على البيع المباشر في نقاط قريبة من المستهلك.
ب. على مستوى القطاع الخاص
● تبنّي نماذج أعمال للتجارة الإلكترونية الزراعية التي تختصر حلقات الوساطة وتُتيح التسعير التنافسي.
● استثمار الشركات الكبرى في عقود توريد مباشرة مع المزارعين لضمان الاستقرار السعري وخفض التكاليف.
● تطوير برامج تدريب متخصصة للمزارعين في مجال التسويق الرقمي والتفاوض السعري.
ج. على مستوى المستهلك
● تعزيز ثقافة التسوق من الأسواق الشعبية والمباشرة من المزارعين لتجاوز حلقات الوساطة.
● الاستفادة من تطبيقات مقارنة الأسعار المتوفرة وتشجيع منظمات المجتمع المدني على تطويرها.
الخلاصة
إن الفجوة السعرية الممتدة من 20 قرشاً في سوق الجملة إلى 1.20 دينار على رفوف التجزئة ليست مجرد ظاهرة عارضة، بل هي نتاج منظومة هيكلية متشابكة تجمع بين ضعف البنية التحتية، وتعدد الوسطاء، وقصور الرقابة، وغياب الشفافية السعرية.
معالجة هذه الأزمة تتطلب إصلاحاً جذرياً يمس بنية السلسلة كاملاً، بدءاً من بوابة المزرعة وانتهاءً بالمستهلك النهائي.
ويبقى التدخل الحكومي المنسق مع القطاع الخاص الطريق الأمثل نحو سوق غذائي أكثر عدالة وكفاءة في المملكة الأردنية الهاشمية.








