عمان – المنصة
الأمن السيبراني يرصد 27 موقعا ينتحل صفة مؤسسات وطنية
أعلن رئيس المركز الوطني للأمن السيبراني الأردني، المهندس محمد الصمادي، أن المركز رصد خلال الربع الأول من عام 2026 ما عدده 27 موقعاً إلكترونياً ينتحل صفة مؤسسات وطنية، في وقت أظهر تقرير الموقف الأمني السيبراني للفترة نفسها تراجعاً في عدد الحوادث السيبرانية المسجلة في المملكة بنسبة 16% مقارنة بالربع الأول من عام 2025، وسط مؤشرات على تصاعد لافت في الهجمات السيبرانية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي.
وجاءت تصريحات الصمادي خلال منتدى التواصل الحكومي، حيث قدّم قراءة تفصيلية لأبرز مؤشرات المشهد السيبراني الوطني والعالمي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، مستعرضاً حجم التهديدات التي استهدفت المؤسسات الأردنية وطبيعتها، إلى جانب الإجراءات التي يتخذها المركز لمواجهتها والحد من تأثيرها على البنية التحتية الحيوية والخدمات الوطنية.
أولاً: تراجع الحوادث السيبرانية محلياً
أظهر تقرير الموقف الأمني السيبراني للربع الأول من عام 2026، الصادر عن المركز الوطني للأمن السيبراني، انخفاضاً في عدد الحوادث السيبرانية المسجلة في الأردن بنسبة 16% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ويأتي هذا التراجع، وفق الصمادي، في ظل استمرار توسّع المركز في تطبيق الإطار الوطني الأردني للأمن السيبراني على المؤسسات الحكومية ومنشآت البنية التحتية الحرجة، وتكثيف برامج التوعية والتدريب الموجهة للقطاعين العام والخاص.
وفيما يتعلق بتصنيف خطورة الحوادث المرصودة، أوضح الصمادي أن نسبة الحوادث الخطيرة لم تتجاوز 0.5% من إجمالي الحوادث، في حين تركزت الغالبية العظمى منها، بحسب تصنيف المركز، في فئة الحوادث متوسطة الخطورة، وهو ما يعكس، من جهة، فعالية أدوات الكشف المبكر والاستجابة السريعة، ومن جهة أخرى استمرار وجود مستوى من التهديد لا يمكن إغفاله يستوجب اليقظة المستمرة.
ثانياً: أبرز التهديدات السيبرانية المستهدفة للمؤسسات الوطنية
حدّد رئيس المركز الوطني للأمن السيبراني مجموعة من التهديدات الرئيسية التي استهدفت المؤسسات الوطنية الأردنية خلال الفترة المرصودة، تمثلت في الأنماط التالية:
• برمجيات الفدية (Ransomware): التي تواصل تصدّرها قائمة التهديدات الأكثر بروزاً وتأثيراً على استمرارية الأعمال.
• هجمات حجب الخدمة (DDoS): التي تستهدف تعطيل الخدمات الرقمية للمؤسسات الوطنية.
• التصيد الإلكتروني (Phishing): بوصفه أحد أكثر أساليب الاختراق الأولي شيوعاً.
• الهندسة الاجتماعية (Social Engineering): التي تستهدف العامل البشري كحلقة وصل لاختراق الأنظمة.
• استغلال الثغرات الأمنية والحسابات المخترقة: عبر استغلال نقاط ضعف غير مُحدّثة أو بيانات اعتماد مسروقة للوصول إلى الأنظمة الحساسة.
ثالثاً: ظاهرة انتحال صفة المؤسسات الوطنية
كشف الصمادي أن المركز رصد، خلال الربع الأول من العام الحالي، 27 موقعاً إلكترونياً ينتحل صفة مؤسسات وطنية أردنية، في مؤشر يعكس تصاعد محاولات استغلال اسم وهوية المؤسسات الرسمية والخدمية لخداع المستخدمين، سواء بهدف سرقة بيانات حساسة أو بيانات دفع، أو الترويج لخدمات وهمية باسم جهات ذات ثقة عامة.
وتُعد هذه المواقع المنتحلة من أخطر أدوات التصيد الإلكتروني، كونها تستغل سمعة المؤسسات الوطنية لكسب ثقة المستخدمين، وهو ما يضع على عاتق المركز مهمة مزدوجة تتمثل في رصد هذه المواقع وإيقافها من جهة، ورفع وعي المواطنين بطرق التحقق من صحة المواقع الرسمية من جهة أخرى.
رابعاً: تصاعد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي عالمياً
على المستوى العالمي، أشار رئيس المركز إلى تصاعد لافت في الهجمات السيبرانية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث ارتفعت هذه الهجمات بنسبة 89% عالمياً، مرجحاً أن هذا الارتفاع الحاد يرتبط بشكل مباشر بظهور تقنيات “الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI)، القادرة على تنفيذ مراحل متعددة من الهجوم السيبراني بشكل شبه ذاتي ودون الحاجة إلى تدخل بشري مكثف في كل خطوة.
ولفت إلى أن نحو 75% من الهجمات السيبرانية ترتكز حالياً على هذه التقنيات الذكية، وهو تطور يُعقّد من مهمة فرق الاستجابة للحوادث، نظراً لقدرة هذه الأدوات على تسريع عمليات الاستكشاف والاستغلال وتجاوز آليات الكشف التقليدية بشكل أكثر مرونة وسرعة من الهجمات التي يقودها بشر بشكل كامل.
“تصاعد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يفرض على المؤسسات الوطنية تطوير قدراتها الدفاعية بالسرعة نفسها التي تتطور بها أدوات الاستهداف، وما يُسجَّل من تراجع في الحوادث محلياً لا يعني تراجع مستوى الخطر العالمي.”
خامساً: جهود مؤسسية موازية: الإطار الوطني للأمن السيبراني
في سياق متصل، يواصل المركز الوطني للأمن السيبراني تنفيذ الإطار الوطني الأردني للأمن السيبراني، الذي بدأ تطبيقه خلال عام 2025 على 110 مؤسسات حكومية ومؤسسات بنية تحتية حرجة، على أن يشمل خلال عام 2026 خمسين جهة وطنية إضافية. ورافق ذلك تنفيذ 330 ورشة عمل توعوية، و330 عملية نمذجة للأعمال والخدمات الحيوية، إلى جانب إعداد
11 خارطة طريق مؤسسية، وتدريب 720 موظفاً من القطاعين الحكومي والخاص ضمن برامج متخصصة في إدارة المخاطر السيبرانية.
كما أظهرت بيانات تكميلية أن قطاعي الصناعة والتجارة، إلى جانب القطاع الحكومي، كانا من بين القطاعات الأكثر استهدافاً بالهجمات السيبرانية خلال الفترة المرصودة، في حين بيّنت المعطيات أن نسبة كبيرة من الاختراقات الناجحة اعتمدت على بيانات دخول وهويات رقمية مخترقة، وهو ما يعزز أهمية تبني المؤسسات لسياسات أكثر صرامة في إدارة كلمات المرور والمصادقة متعددة العوامل.
قراءة تحليلية
تكشف مؤشرات الربع الأول من عام 2026 عن مفارقة لافتة في المشهد السيبراني الأردني: تراجع كمي في عدد الحوادث المسجلة محلياً، يتقاطع مع تصاعد نوعي خطير في طبيعة التهديدات على الصعيد العالمي مع دخول الذكاء الاصطناعي الوكيل على خط الهجمات السيبرانية.
هذا التباين يشير إلى أن نجاح الجهود الوقائية المحلية، المتمثلة في توسيع تطبيق الإطار الوطني وبرامج التوعية، لا يعني بالضرورة انخفاضاً مماثلاً في مستوى الخطر الكامن، بل يفرض ضرورة الاستمرار في تطوير القدرات الدفاعية الوطنية بما يتناسب مع وتيرة تطور أدوات الاستهداف عالمياً، خصوصاً في ظل تنامي ظاهرة انتحال صفة المؤسسات الرسمية كأداة وصول أولية يصعب على المستخدم العادي اكتشافها دون وعي كافٍ بآليات التحقق الرقمي.
ويرى مراقبون أن استمرار تراجع وتيرة الحوادث الخطيرة، مقابل بقاء التهديدات متوسطة الخطورة هي الغالبة، يضع المركز الوطني للأمن السيبراني أمام تحدٍ مزدوج: ترسيخ مكتسبات الإطار الوطني خلال عام 2026 من خلال التوسع إلى خمسين جهة إضافية، وفي الوقت ذاته الاستعداد لمواجهة هجمات أكثر تعقيداً وآلية، مدعومة بالذكاء الاصطناعي، يُتوقع أن تتزايد حدتها مع اقتراب نهاية العام.








