إعفاءٌ للسكن أم حافزٌ للسوق؟.. أرقام الشقق تفتح سؤال المستفيد الحقيقي

إعفاءٌ للسكن أم حافزٌ للسوق؟.. أرقام الشقق تفتح سؤال المستفيد الحقيقي

عمان – المنصة

إعفاءٌ للسكن أم حافزٌ للسوق؟.. أرقام الشقق تفتح سؤال المستفيد الحقيقي

سجّلت مبيعات الشقق في الأردن 3,976 شقة خلال أيلول، بزيادة 592 شقة عن الشهر ذاته من العام الماضي (نحو 17%)، وفق تقرير دائرة الأراضي والمساحة، وفي ظل استمرار قرار حكومي يعفي الشقق من رسوم التسجيل كلياً أو جزئياً بحسب مساحتها.

لكن التقرير نفسه يشير إلى أن مبيعات الأشهر التسعة الأولى بلغت 26,743 شقة مقابل 27,508 في الفترة ذاتها من 2025، أي بتراجع 765 شقة (3%).

والتفاصيل المساحية التي يُفترض أن تفسّر هذه الأرقام تثير أسئلة أكثر مما تجيب: فهي لا تتطابق مع الإجمالي، وتُظهر أن الفئة الأقرب نظرياً إلى متناول الأسر محدودة الدخل هي الوحيدة التي تراجعت منذ مطلع العام، وأن قرابة نصف المبيعات هي لأكبر الشقق، وهي التي نالت في تشرين الثاني 2024 خصماً بنصف الرسوم.

قرابة نصف الشقق المبيعة تتجاوز 150 متراً... فلمن صُمِّم إعفاء الرسوم فعلاً؟

أرقام لا تُجمع: الفئات أكثر من الإجمالي بـ1,758 شقة

بجمع مبيعات الفئات المساحية الثلاث كما نُشرت (8,272 + 7,615 + 12,614) يبلغ المجموع 28,501 شقة خلال الأشهر التسعة، أي أكثر من الإجمالي المعلن (26,743) بـ1,758 شقة.

والفجوة تتكرر في أيلول (4,242 مقابل 3,976) وفي عام المقارنة 2025 (27,840 مقابل 27,508). والأهم أن الفارق يقلب إشارة الاتجاه: فبحسب الإجمالي المعلن تراجعت المبيعات 3%، أما بحسب مجموع الفئات فقد ارتفعت نحو 2.4%.

وسواء أكان مصدر الفرق خطأً في النقل أم اختلافاً في التصنيف بين الإجمالي والتفصيل، فإن المنشور لا يوضح ذلك، ويضع القارئ أمام روايتين متناقضتين عن السوق نفسه.

قرابة نصف الشقق المبيعة تتجاوز 150 متراً... فلمن صُمِّم إعفاء الرسوم فعلاً؟

أسئلة عن أرقام لا تتفق

كيف تتجاوز مبيعات الفئات المساحية الثلاث (28,501 شقة) الإجمالي المعلن (26,743) بأكثر من 1,700 شقة، وأي الرقمين يُعتدّ به؟

ولماذا يتحول تراجع معلن بنسبة 3% إلى نمو يقارب 2.4% لو جُمعت الفئات؟ أليس فارقٌ يقلب إشارة الاتجاه السنوي أولى بالتوضيح قبل أن يتحول إلى عنوان؟

هل تُحتسب بعض الشقق في أكثر من فئة، أم تختلف المنهجية بين الإجمالي والتفصيل؟ ولماذا لا يُنشر ما يفسّر ذلك؟

الشقق الصغيرة: الفئة الوحيدة التي تراجعت رغم الإعفاء الكامل

بحسب الأرقام المنشورة، تراجعت مبيعات الشقق التي تقل مساحتها عن 120 متراً بنسبة 1% خلال الأشهر التسعة (8,272 شقة مقابل 8,351)، رغم أنها تتمتع بإعفاء كامل من رسوم التسجيل،

وهي الفئة الأقرب نظرياً إلى متناول الأسر محدودة الدخل. وقفزتها بنسبة 24% في أيلول (283 شقة إضافية) تبدو أقرب إلى تعويض جزئي: فبطرح مبيعات أيلول من الأرقام التراكمية يتبيّن، بحساب تقريبي، أنها كانت متراجعة نحو 5% في الأشهر الثمانية الأولى (6,828 شقة مقابل 7,190).

أما النمو التراكمي فجاء من الشقق المتوسطة (120 إلى 150 متراً) بنسبة 8%، ومن الكبيرة (فوق 150 متراً) بنسبة 2%.

قرابة نصف الشقق المبيعة تتجاوز 150 متراً... فلمن صُمِّم إعفاء الرسوم فعلاً؟

أسئلة عن الفئة التي يُفترض أن تعبّر عن المواطن

إذا كانت الشقق الصغيرة الأقرب إلى قدرة الأسر محدودة الدخل، فلماذا هي الفئة الوحيدة التي تراجعت منذ مطلع العام رغم إعفائها 100% من الرسوم؟

هل ارتفاع 24% في أيلول تعافٍ حقيقي، أم تعويض جزئي عن خسائر الأشهر الثمانية السابقة (نحو 360 شقة بحسب الحساب)؟

ولماذا تقود الشقق المتوسطة والكبيرة النمو التراكمي بينما يُروَّج للإعفاءات بوصفها وسيلة لتمكين ذوي الدخل المحدود من التملك؟

إعفاء بعمر عقد… فلمن صُمِّم؟

ليس الإعفاء من رسوم التسجيل جديداً: فقد رُفع سقف الشقق المعفاة من 120 إلى 150 متراً في تموز 2015، ومُدِّد وعُدِّل على مدى السنوات التالية في حكومات متعاقبة، وتكرر في كل مرة الهدف المعلن نفسه: تمكين ذوي الدخل المحدود والمتدني من شراء المساكن الملائمة.

وفي صيغ سابقة للقرار نُصّ على أن الإعفاء يقتصر على الأردنيين بغض النظر عن عدد مرات الشراء، أي أنه لا يرتبط بأول شقة ولا بمستوى الدخل.

وفي تشرين الثاني 2024 أضافت الحكومة إعفاءً بنسبة 50% من الرسوم للشقق التي تتجاوز 150 متراً، وفي الجلسة نفسها حصرت تخفيض رسوم المسقفات بنسبة 50% لثلاث سنوات بمن يشتري شقة للمرة الأولى.

أي أن شرط الشراء الأول طُبّق على حافز واحد، ولم يُشر إليه في ما نُشر عن إعفاء رسوم التسجيل.
ويضيف التقرير الشهري معطى لافتاً: فبحسب بيانات الدائرة، ارتفعت بيوعات الشقق لغير الأردنيين 7% خلال الأشهر التسعة الأولى، في حين تراجع إجمالي بيوعات الشقق 3%.

أسئلة عن هدف الإعفاء ومستفيديه

قرابة نصف المبيعات شقق تتجاوز 150 متراً، فهل هذه هي الفئة التي أُريد تمكينها من الشراء حين مُنحت خصماً بنصف الرسوم في تشرين الثاني 2024؟

هل يقتصر الإعفاء على الشقة الأولى أو على من لا يملك سكناً، أم يشمل كل مشترٍ مهما تكرر شراؤه، كما نصّت صيغ سابقة للقرار؟

كم كلّف هذا الإعفاء الخزينة منذ بدء العمل به؟ ولماذا لا يرافق التقرير الشهري أي رقم عن الإيرادات المتنازل عنها؟

هل ما زال الإعفاء قاصراً على الأردنيين؟ وإن كان كذلك، فكيف ارتفعت بيوعات الشقق لغيرهم 7% بينما تراجع إجمالي بيوعات الشقق 3%؟

سوق يتحرك بمواعيد الحوافز

ثمة ما يدعو إلى التساؤل عمّا إذا كانت حركة السوق تعكس الطلب الحقيقي أم توقيت الحوافز.

ففي نهاية 2020 تحدثت الدائرة عن إقبال متزايد على معاملات البيع قبيل انتهاء مدة الإعفاء، ودعت المواطنين إلى عدم تأجيل معاملاتهم إلى اليوم الأخير. وفي أواخر 2021 قال المدير العام بالوكالة للدائرة نفسها إن قرار الإعفاء أثّر في نشاط حركة بيع العقار.

أما تقرير أيلول فلا يوضح ما إذا كان للقرار الحالي موعد انتهاء، ولا ما إذا كان لذلك علاقة بقفزة الشهر.

أسئلة عن الطلب الحقيقي والطلب المصطنع

هل لقرار الإعفاء الحالي موعد انتهاء؟ وهل ارتفعت مبيعات أيلول في سباق مع موعد معلن أو متوقع؟

إذا كانت الدائرة نفسها أقرّت سابقاً بأن قرار الإعفاء يؤثر مباشرة في حركة البيع، فكم من مبيعات اليوم يعكس طلباً حقيقياً، وكم منها استجابة لحافز ينتهي بانتهائه؟

ولو أُلغي الإعفاء غداً، كم شقة كانت ستُباع؟

خلاصة
ارتفاع أيلول حقيقي، لكنه لا يغيّر أن الشقق المبيعة منذ مطلع العام أقل مما كانت بحسب الإجمالي المعلن، وأن الأرقام المنشورة نفسها لا تُجمع على اتجاه واحد، وأن إعفاءً مفتوحاً لكل الفئات المساحية ولكل مشترٍ لا يُقاس بعدد الشقق المبيعة، بل بعدد الأسر التي دخلت بيتها الأول بفضله.

وهذا هو الرقم الذي لا يرد في أي تقرير شهري. وإلى أن يُنشر: كم أسرة امتلكت أول بيت؟ وكم شقة اشتراها من يملك غيرها؟ وكم كلّف ذلك الخزينة؟ سيبقى كل ارتفاع في مبيعات الشقق خبراً عن السوق، لا عن المواطن.

Scroll to Top