عمان – المنصة
أشجار تُقتلع باسم “تحسين الأرصفة”.. فأين الخلل: في الشجرة أم في تخطيط الرصيف؟
أكدت أمانة عمان الكبرى أن أعمال تحسين الأرصفة في عدد من مناطق العاصمة تستهدف توفير مساحات آمنة ومتصلة للمشاة، بالتوازي مع حماية الغطاء الأخضر ونقل الأشجار التي يتعذر الإبقاء عليها في مواقعها وإعادة زراعتها في مواقع أكثر ملاءمة. تصريح يحمل حرصا واضحا على التوازن بين حق المشاة والبيئة، لكنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري لم تتطرق إليه الأمانة: كيف وصلت العاصمة أصلا إلى مرحلة يُصبح فيها وجود شجرة على الرصيف عائقا يستدعي نقلها؟
تخطيط لا يتسع للشجرة والمارة معا
أوضحت الأمانة أن العمل يقتصر على الأشجار التي تعيق حركة المارة في الأرصفة الضيقة، بعد الكشف والتقييم الفني لكل موقع. وهنا تكمن الإشكالية:
– ألا يشير هذا الواقع إلى خلل تخطيطي سابق في تصميم الأرصفة نفسها، حيث لم تُراعَ منذ البداية المساحة الكافية لاستيعاب الغطاء الأخضر وحركة المشاة معا؟ وهل جرت مراجعة فنية لأسباب هذا الخلل، أم أن المعالجة تقتصر على تصحيح النتيجة دون تصحيح المنهجية؟
– ولماذا تُختار أنواع أشجار لا تتناسب أحجامها مع عرض الرصيف، بدل اعتماد معايير واضحة تحدد مسبقا الأنواع المناسبة لكل عرض رصيف، كما هو معمول به في مدن كثيرة حول العالم؟
– وهل تتضمن خطط الأمانة الحالية معايير ملزمة تمنع تكرار هذا السيناريو مستقبلا، أم أننا سنشهد بعد سنوات موجة جديدة من نقل الأشجار للسبب ذاته؟
130 ألف غرسة سنويا.. فأين تذهب؟
أشارت الأمانة إلى أن مديرية الزراعة والحراج تواصل زراعة ما بين 120 و130 ألف غرسة سنويا ضمن خطتها لزيادة الرقعة الخضراء. رقم ضخم يثير تساؤلا منطقيا:
– إذا كانت العاصمة تشهد زراعة أكثر من 120 ألف غرسة سنويا منذ سنوات، فلماذا لا يشعر المواطن بزيادة ملموسة في المساحات الخضراء والظل في شوارع عمّان وأحيائها؟
– وما نسبة الغراس التي تنجو فعليا وتصل إلى مرحلة النضج؟ هل تتوفر بيانات معلنة عن معدلات البقاء والفقد بين هذه الغراس، أم أن الرقم يُعلن سنويا دون متابعة لمصير ما زُرع في الأعوام السابقة؟
“نقل الأشجار وإعادة غرسها”.. وعد يحتاج إلى متابعة
بينت الأمانة أن الأشجار القابلة لإعادة الزراعة تُنقل وفق الأصول إلى أوعية زراعية ومشاتل، تمهيدا لإعادة غرسها في الحدائق والمواقع المناسبة، وأنها وثقت هذه المراحل بالصور ومقاطع الفيديو. توثيق يُحسب للأمانة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم:
– ما نسبة نجاح عمليات نقل الأشجار البالغة فعليا؟ فمن المعروف فنيا أن نقل شجرة ناضجة عملية دقيقة كثيرا ما تنتهي بموتها إذا لم تُنفذ بمعايير صارمة. فهل تتوفر إحصائية علنية توضح كم شجرة نُقلت وكم منها نجت فعلا بعد عام من إعادة غرسها؟
– وأين تُعاد زراعة هذه الأشجار تحديدا؟ وهل يستفيد منها سكان الحي نفسه الذي نُقلت منه، أم تُنقل إلى مواقع بعيدة، بما يعني خسارة صافية للغطاء الأخضر في ذلك الحي؟
الرصيف حق للمشاة.. لكن ما هو حاله فعلا؟
شددت الأمانة على أن “الرصيف حق للمشاة”، خصوصا الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وهو مبدأ لا خلاف عليه، لكنه يستدعي مقارنة مع واقع أرصفة العاصمة:
– إذا كانت الأشجار تُنقل باسم حق المشاة، فماذا عن العوائق الأخرى الأكثر انتشارا على أرصفة عمّان، من مركبات متوقفة فوق الأرصفة، وبسطات، وأعمدة إنارة في منتصف الممر، ولافتات تجارية، وحفريات غير مردومة؟ لماذا لا تحظى هذه المخالفات بالحزم ذاته الذي تحظى به الشجرة؟
– وهل تشمل خطة تحسين الأرصفة معالجة شاملة لهذه العوائق، أم أن التركيز ينصبّ على الأشجار باعتبارها العائق الأسهل معالجة؟
– وماذا عن معايير إتاحة الأرصفة للأشخاص ذوي الإعاقة تحديدا: هل تشمل أعمال التحسين تركيب منحدرات ومسارات إرشادية لذوي الإعاقة البصرية، أم يقتصر الأمر على توسيع الممر فقط؟
بين خطاب رسمي يتحدث عن “تحسين البيئة الحضرية وحماية الغطاء الأخضر”، ومشهد يومي يشاهده سكان العاصمة لأشجار تُنقل من أحيائهم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا معلقا: هل نحن أمام معالجة حضرية مدروسة تعيد التوازن بين المشاة والشجر، أم أمام تصحيح متأخر لأخطاء تخطيطية سابقة، يدفع ثمنها الغطاء الأخضر في مدينة تشكو أصلا من شح الظل والمساحات الخضراء؟









